First Published 2010-07-28![]() لا يعملون ولا يرحمون مَنْ يَعْمَلُ ظاهرة مرضية تنتشر كالوباء في جسد الثقافة العربية
ميدل ايست اونلاين
يؤلمني أن أشاهد إنساناً يتعب ويشقى، ثم يأتي من يُجرده من تعبهِ ويدفعُه لجرِ أذيال الخيبة. ويضايقني ذل الإنسان الذي يمارس حق الأخذ والإعطاء والإلغاء وهو الذي يأخذ ولا يعطي. ويجرح إحساسي ذاك الذي اعتاد اصطياد العيوب والتقاط الهفوات وتجاهل عرق الجادّين الباحثين بكل طاقاتهم واهتمامهم، بجرَّةِ قلم يقضي على تعبهم وفنهم.
إن كلماتي لا تعني إنساناً محدّداً ولا ترمي الإساءة إلى فئة معيّنة. بل هو كلام عام عن ظاهرة مرضية تفشّت في حياتنا، وأخذت مساحة في الوسط الثقافي الذي أخذ يتضايق من شرّها ويصاب برذاذ فسادها واستهتارها.
هذه الظاهرة المرضية تنتشر كالوباء الفتاك في جسد الثقافة وروحها دون مُعارِض حقيقي لها. أراها مرضاً خبيثاً يزرع أدرانه في حنايا الفكر الساطع. وما عاد يَسلمُ من سهامه أحد. يسعى دعاته الأفذاذ لزرع ملامحه وتبنّي نهجه، وأولى تلك الملامح الاصطياد في الماء العكر وتعكير صفو العاملين في هذه الرياض الصافية. لا تراهم إلا مُستهترين بالآخرين ودون رادع يُلجِمُهم يصادرون أتعابَ الآخرين وجهودهم وآراءهم وهم مستسلمون للتنظير والشللية، سراويلهم تراها التصقت بكراسي المقهى، وثيابهم ينتشر فيها السرطان من الدخان والافتراءات. ضحكاتهم توقظ المتقاعدين وتُنشط السماسرة وتجلب السّيَّاح.
ليتهم يكتفون بأنفسهم، وما فيها من كسل وجمود. وليتهم يستسلمون لخيباتهم، ويتركون الآخرين وشأنهم. ليتهم يقرّون بما ينتابهم من نوبات وهلوسات تجعلهم عالة على المجتمع والزوجات والأولاد. ولا تراهم إلا منهمكين في الأحاديث عن أنفسهم لدرجة تجعلك تشفق عليهم، نعم إنهم يحتاجون للشفقة.
لا يعجبهم العجب ولا الصيام في رجب. كما يقال. فهم خير من ينظّر وخير من يتابعُ وينقد ويصطادُ.
ولكنهم لا يتجاوزون طاولات المقاهي والحانات. يفهمون في السينما ولم يحضروا فيلماً من عقدين. ويتذوَّقون الفنون التشكيلية وهم لم يزوروا معرضاً من سنوات خلت وينطبق هذا على الأمسيَّات والندوات والكتب. الكتب التي تُهدى لهم، تراها بعد أيام على الأرصفةِ معروضة للبيع ودون أن يكلِّفوا أنفسهم عناء مسح كلمة الإهداءِ التي قدِّروا بها، يبدو أن الحاجة مُلحّة.
إن وجدوا صحيفة لا تتناسَبُ مع مصلحتهم وميولهم فهي للحرق والتمزيق. والمجلة التي لا تفتح لهم مجالاً، ولا تنشر لهم نتاجاتهم مجلةٌ ضعيفة وفقيرة ومتخلفة وربَّما تُتهم بالعمالةِ مع كتَّابها ومحرِّريها. ولو قدَّمْتَ لهم كتاباً حديثاً خلا من ذكرهم، ولم يتوقَّفْ عند جماعتهم وأتباعهم لوَجَدْتهم ينفرون مِنْهُ ومنك، ويلغون الكتابَ وما فيه دون أن يقلّبوا صفحاته لدقائق، سامحهم الله وفوق هذا يتسابقون في المَدْحِ والذم، فلا تهدأ شفاهُهُم، ولا ينزلون عن رؤوس أصابعهم. يحرقون كلَّ ما فيه وكلَّ من أسهم فيه.
بالله عليكم هل جميع الناس موظفون عندكم وعند أسيادكم؟ وهل من حقكم أن تمارسوا دور الشرطيِّ وموظف التموين وأنتم مُجرّدون من حقوقكم المدنية. فماذا أعطيْتُم لأنفسكم ولأولادكم ولوطنكم؟ من نصَّبكَ قاضياً وأنت أبعد الناس عن الموضوعية؟ هذه الموضوعية التي تشكلُ الحدَّ الأساسي في علاقتك مع الآخرين.
من حق أي إنسان يسعى ويزرع بذرة معرفة أن يجدَ تكريماً له وحكماً متوازناً وناقداً صادقاً. فالعملُ بطولة بحدِّ ذاته وعرضُهُ فروسية نادرة. فالمرءُ الذي لا يعمل لا يخطئ، ولا يوجد مثلُ العملِ معلّماً ومدرسة للإنسان. فالعمل حالة إيجابية متفاعلة مع الآخر وتقديمه فروسيَّة واتزان من صاحبه يستحق عليه التقدير. فهو صورة عن إنجاز، وبيان عن شخص اجتهد وبَذَلَ وأحسنَ النية. فالجرأة في التقديم وعرض الإبداع. هؤلاء الجادَّون يكفيهم أنهم يقدمون خلاصة سَهَرِهِمْ ومطالعاتهم وأبحاثهم وأموالهم. قدّموا هذا الجهد عندما كنت تهيم في أودية الضياع والشتات. فوراء كل بحث وعمل هناك مراجعُ وسهرٌ وقلقٌ واستهلاكٌ للوقت والمال يستحق هؤلاء كل تقدير وشكر، وإذا نقدناهم فإننا نذكر الجيد والرائع قبل السييء والموجودَ قبل الغائب.
إن ساحة الإبداعِ واسعةٌ، وإنَّ ميدانَ العملِ واسعٌ ورحْبٌ فكنْ ذاك الفارس الشهمَ، فنحن بحاجة لعملك قبل حديثك، ونحن بحاجة لزنودكَ وقلمك وذهنك الناصع، والساحة معدَّةٌ لكلِّ الشرفاءِ المخلصين، وهذه دعوةٌ أخرى لممارسةِ العملِ الشريف.
|